عبد الله المرجاني
286
بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
الأمير عز الدين منيف بن شيحه بن القاسم بن مهني الحسيني « 1 » أمير المدينة - قال : أرسلني مولاي - المذكور - بعد ظهور النار بأيام ، ومعي شخص من العرب يسمى حطيب بن سنان وقال لنا : اقربا من هذه النار ، وانظرا هل يقدر « 2 » أحد على القرب منها ؟ فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها ، فلم نجد لها حرا ، فنزلت عن فرسي ، وسرت إلى أن وصلت إليها ، وهي تأكل الصخر والحجر ، ومددت يدي إليها بسهم فعرق النصل ولم يحترق العود واحترق الريش » . انتهى . انظر إلى عظيم لطف الباري تعالى بعباده إذ سخرها بلا حرارة ، إذ لو كانت كنارنا لأحرقت من هذا البعد « 3 » فناهيك بقربها وعظمها ، ولكنها ليست بأول مكارمه صلى اللّه عليه وسلم ، وامتنان خالقها عز وجل ، إذ أخمد حرها وجعل سيرها تهويدا لا تنقيبا « 4 » حفظا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمته ورفقا لعباده ولطفا بهم أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 5 » وقد ظهر بظهورها معجزات بان بها آيات أسرار بديعة وعنايات ربانية منيعة ، ففي انطماس نورها وسببه عدم حرها ،
--> ( 1 ) عز الدين منيف بن شيحة الحسيني ، كان أمير المدينة المنورة عند ظهور نار الحرة بالمدينة الشريفة . انظر : السخاوي : التحفة 1 / 429 . ( 2 ) في الأصل « يقذف » ، وما أثبتناه من التعريف للمطري ص 63 فقد نقل المؤلف عنه . ( 3 ) اضطرب كلام المصنف لفظا حين جزم بفقدان نار البركان خاصية الإحراق في قوله « قربنا فلم نجد لها حرا » ومع ذلك تأكل الصخر والحجر ، فهذه عبارة تدل على فقدان نار البركان خاصية الإحراق ، وبعدها قال : « ومددت يدي إليها بسهم فعرق النصل ولم يحترق العود واحترق الريش » فهذه العبارة تقطع بأن هذه النار لم تفقد خاصيتها لأنها أكلت الريش وعرق النصل أي أخرجت النار ما في النصل من رطوبة فعرق . وهذا الاضطراب يستلزم القطع بمبالغة المصنف كغيره من المؤرخين في وصف الحوادث كالحروب والمجاعات ونحو ذلك . ( 4 ) التنقيب : الإسراع ، يقال نقبوا أي ساروا في البلاد طلبا للمهرب . والتهويد : عكس الإسراع ، فالتهود الإبطاء في السير واللين والترفق ، والتهويد المشي الرويد والسير الرفيق . انظر : ابن منظور : اللسان مادة « نقب » ، « هود » . ( 5 ) سورة الملك آية ( 14 ) .